وافاه الأجل المسمى

بسم الله الرحمن الرحيم
     *أسعدك الله يا سعيد!!*
*فارقتَ، و ذكراك في القلوب باقية*

    محمد أجمل القاسمي
أستاذ الأدب العربي بالجامعة القاسمية شاهي , مرادآباد.

تعتَصِر القلوبُ كمدًا، وتذوب الأكبادُ ألمًا، وتدمع العيون أسفًا وحرنًا، بوفاة العالم الجليل، المحدث الفقية، المؤلف و الشارح العبقري للعلوم الإسلامية سماحة الشيخ العلامة سعيد أحمد البالنبوري رئيس هئية التدريس وشيخ الحديث بالجامعة الإسلامية دارالعلوم بديوبند، الذي استأثرت به رحمةُ الله تعالى صبيحة (25) من رمضان المبارك عام1441ه في مدينة مومبائي، بعيدًا عن داره وأهله ومقره بديوبند، ومما زاد الناس أسىً وحسرة أن فجيعة وفاة الفقيد – رحمه الله- تزامنت مع فترة حظرالتجول والإغلاق الكامل في البلاد بسبب الوباء العالمي فيروس كرونا( كوفيد- 19) الأمر الذي حَرَمَ آلافَ تلامذته ومُعْجَبيه حتى أبنائه وأعضاء أسرته وزملائه في التدريس بدارالعلوم بديوبند الصلاةَ عليه، فقد صلى عليه وشيّع جثمانه عدد لايجاوز الأربعين من المسلمين في مومبائي المسموحين بذلك من قِبَل الإدارة المحلية.

كان الشيخ قد وجدتْ محبّتَه طريقَها إلى سويداء القلوب، وتجذّر إجلالُه واحترامُه في أعماق النفوس من المنتمين إلى علماء ديوبند وغيرهم، ولاسيما في تلامذة الشيخ ومستفيديه بشكل قلما وُجِد له نظيرفي معاصريه، ومن هنا ما إن انتشر نعيُ وفاته حتى بدأت سلسلة لرسائل التعازي والتسلية، وكلمات مُعبِّرة عن الحزن والألم بوفاته، ونداءات من الجهات والشخصيات المختلفة للاستغفار والدعاء له، وقصائد في رثائه، ومقالات مترجمة عن حياته وأعماله وإنجازاته العلمية، وذلك في كثرة فاضت بها مواقع التواصل الاجتماعي فيضًا، وماجت بها موجًا.

مضت على تخرُّجِنا في دارالعلوم نحو 17 عامًا، حيث انتهينا من قراءة أمهات كتب الحديث في العام النهائي للفضيلة عام 1424ه المصادف عام 2003م، وفي هذه الفترة ارتحل عنا عديد من المشايخ والأساتذه الكبارالذين كانوا يمتازون بالعلم، والصلاح والتقوى، ويحتلون لطول التجربة في مجال التدريس مكانًا مرموقًا في محيط دارالعلوم بديوبند، وها هو ذا قد ارتحل عنا شيخنا الجليل سماحة الشيخ سعيد أحمد - رحمه الله رحمة واسعة – الذي كان في الوقت المعاصر كالواسطة أوكالدرة اليتيمة في العقد الفريد، سدَّ اللهُ الفجوة التي حدَثت بوفاة هؤلاء الكبار، وعَمَرهذه الدار والديارالطيبة المباركة بالعلم ورجاله وناشريه وطلابه، إلا أنه بذهاب هؤلاء النخبة من مشيختنا واحدًا تلوَ آخر يقلُّ يومًا فيومًا رونقُ الداروبهاؤها بالنسبة لنا.

أسطِّرهذا المقالَ وفقيدُنا ماثلٌ أمام العين، شيخ وقور، طويلُ القامة، حَسَنُ الهندم،  بهيُ الطلعة، أحمراللحية، أسمر مائل إلى البياض، أبيضُ الملبس، نظيفُ المظهر، يمشي في وقار، ويجلس في رزانة، ويتكلم في هدوء وطمانية، فكانت شيخصيتُه تملأ العين والفؤاد، ينجذب الطلاب إلى دروسه في الحلقات، ويقبل العلماء على محاضراته في الندوات، ويستمع الناس إلى أحاديثه في المناسبات، كان لكلماته روعة في السمع، ووقعة في القلب، تستقبله القلوبُ حيث حل وسار، و يتهافت عليه عشاقُ العلم والمعرفة حيث أقام وارتحل.

كان لحلقات دورسه جمالٌ أيُ جمال، جمالٌ يعجزعنه الوصفُ، وسحرٌيُعوِزه البيان، وكانت تمتاز بين جميع الحلقات القائمة في الجامعة بالإقبال الغيرالعادي من طلبة العلم، وكان لدروسه آداب، وكان من اللازم على كل طالب التقيد بها، فكان لكل طالب أن يحضر دارالحديث قبل حضور الشيخ ويأخذ مكانَه، وكان يجب على كل من يجلس قريبًا من الشيخ أن تكون هيئته وثيابه مرتّبَة، فإذا جلس بقرب منه طالب رثُّ الهيئة ضاق به الشيخ ذرعًا، وكان الشيخ لايسمح لقراءة الحديث عليه إلا من جاوز اختبارًا عند الشيخ بالنجاح في بداية العام الدراسي، فكانت دارالحديث(تلك البناية التاريخية الفريدة الحمراء، التي تُزين رأسَها قبة بيضاء جميلة، والتي هي كالدرة اليتيمة في التاج بين بنايات الجامعة) تغُصُّ بطلبة الحديث غصًا قبل قدومه، فإذا طلع الشيخ بمُحيّاه الرزين ساد السكون أرجاءَ دارالحديث وجنباتها، والشيخ يخطو خطوات هادئة إلى دكة التدريس، فإذا وصلها استوى قائمًا، وأقبل على الحضوربوجهه، وسلّم في صوت مسموع، ثم جلَس مجلسَه ولسانُه يلهج بـ: ‘‘لاإله إلا الله’’ في أسلوبه الخاص، وكان لسانُه مألوفًا بهذه الكلمة الحبيبة، فكان كلما غيِّر من هيئة جلوسه، أو انتقل في حديثه من موضوع إلى موضوع جرت على لسانه تلقائيًا.

فإذا أخذ في شرح الأحاديث أقبل الحضورُ عليه بقلوبهم ووجوهم، وتحولوا آذانًا صاغية، كأنَّ على رؤوسهم الطير، فكان لقلب الأوراق صوتٌ يُسمَع، وللأقلام صريرتُحسه الآذان، وكان في الطلبة اهتمام زائد وشغف لم يُعْهَد له مثيلٌ في عصرنا بضبط دروسه ومحاضراته القيمة.

وكان يجلس منحنيًا على الكتاب انحناءً ما، ويتكلم في لهجة هادئة مطمئنة، وفي صوت هاد مسموع بوضوح، لايُجهِد نفسَه ببذل الحماس الزائد كما لايُتعب الآخرين، مما يمكِّن الطلابَ من أن يستسيغوا ويضبطوا دروسه بسهولة أية سهولة. وكان يخاطب أمامَه في الغالب، ويلتفت شيئًا إلى اليمين والشمال دون أن يلوي العنق، وكان يستعين في طرح المواد بإشارة اليد، ولكن ماكان يبالغ فيها ولايُكثرمنها. وكان يشرح الأحاديث في الأردية و هو الطريق المألوف في دارالعلوم بديوبند، إلا أن لهجتَه في الأردية لم تكن تمامًا كالناطقين بأهلها، ولعلها كانت متأثرة بلهجته الكجراتيه لهجة مسقط رأسه، إلا أنها كانت مقبولة ومحبوبة على الآذان لشخصيته المُحبَّبَة على القلوب، وكانت له قدرة كافية على الأمثال والحِكَم السائرة في الأردية ولاسيما المعروفة منها في منطقة غربي يوفي حيث تقع دارالعلوم، فكان يُمَتِّع الحضور إذا وضعها في مكانها وأوانها خلال ترجمة الأحاديث أوشرحها، ويمكن العثورعلى نماذجها بمراجعة دروسه المطبوعة المنشورة.

وكان للشيخ - رحمه الله – منهجًا في شرح الأحاديث المتعلقة بالأحكام تفرّد به من بين شيوخ الجامعة، وهو منهج متقارب لمنهج العلامة الفقيه ابن رشد المالكي في كتابه المعروف ‘‘ بداية المجتهد ونهاية المقتصد’’ وأسلوب مُسنِد الهند الشاه ولي الله المحدث الدهلوي في المُسوّى لشرح الموطأ، حيث كان الشيخ يعرض مذاهبَ الأئمة لدى كلامه في أحاديث الأحكام، ثم يسوق مستدلاتهم وطرق استدلالهم من الأحاديث المختلفة في الباب، وكان لايتعرض لحشد الدلائل والمؤيدات ومقارنة بعضها مع بعض، وترجيح مذهبه على غيره، وكان يقول: لاحاجة إلى هذا التكلف والعناء مع اعتقادنا على وجه الإجمال بأن جميع المذاهب المتبوعة حق وصواب، إذ أن المسلم إذا عمل بأحد منها فإنه يخرج عن العهدة عند الجميع.

مع أن منهج معظم المشايخ في دارالعلوم والمدارس والجامعات الكثيرة هو المقارنة بين أدلة المذاهب وبيان مؤيدات ووجوه ترجيح المذهب الحنفي في المسألة المبحوث عنها، وكان الشيخ العلامة الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي يتعرض لذلك في اختصار وإيجاز، ويشير إلى ذلك في دورسه لكتب الحديث إشارات، وقداستمر هذا النمط إلى شيخ الهند المحدث العلامة محمود حسن الديوبندي رئيس هيية التدريس في دارالعلوم وأستاذ كبارالعلماء في عصره، ثم جاء المحدث الألمعي وحيدُ دهره ونسيجُ وحده العلَم الحجة العلامة محمد أنور شاه الكشيمري وهو بحر ذاخر، واسع الأطلاع علي علوم الكتاب والسنة والفقه وأشتات العلوم والفنون، عديمَ النظير في قوة الذاكرة في القرون الأخيرة، فأسهب في الخلافيات، واستعرض الأدلة، وقارن بينها وحاكم، وذكر مؤيدات ووجوه ترجيح المذهب الحنفي من نقول أمهات الكتب وعباراتها، وقدانتهى إليه الرئاسة في الحديث والعلوم الإسلامية في عصره، فتخرَّج عليه نبغاء الزمان وكبار الشخصيات، وساروا في طول شبه القارة الهندية وعرضها، فسار معهم منهج الشيخ وطريقته في شرح الأحاديث. وقد دفع هؤلاء العلماء الكبار إلى اختيار هذا المنهج في شرح أحاديث الأحكام ضرورةُ افتضاح تلك الدعاية الكاذبة التي تتهم المذهبَ الحنفي بأنه يعتمد على الاستحسان والقياس العقلي والأحاديث الضيعفة، بدلَ الآيات المحكمة والسنة الصحيحة الثابتة، وحالفهم التوفيق الإلهي في ذلك، فنجحوا في إزاحة الستار عن وجه الحقيقة، وبرهنوا بالدلائل والنصوص والنقول وعبرَدروسهم وكتاباتهم على أن المذهب الحنفي كسائرالمذاهب الأخرى يقوم على الكتاب والسنة الصحيحة، وليس أقل شأنا من المذاهب الأخرى في هذا الباب، فجزاهم الله خيرالجزاء.  

  وكان أسلوبُ الشيخ الفقيد – رحمه الله- في طرح أقوال الأئمة ومستدلاتهم أنه كان يحدِّد أولًا أصلَ الخلاف، هل هو كتاب الله أوسنة رسول الله؟ ثم يذكر هل الخلافُ بين الأئمة منشؤُه اختلافُ وجهاتِ النظر في فهم النص أم تعارضُ الأدلة والنصوص، مثلًا عندما بلغ الشيخ الأحاديثَ المتعقلة بانتقاض الوضوء بمس المرأة والأحاديث الواردة بخلافها في درسه لجامع الترمذي، قال: أصلُ الخلاف في هذا الباب ليست السنة، وإنما الأصل كتاب الله، و تلا آية التيمم ‘‘... أولامستم النساء... الخ’’، ثم قال: منشؤ الخلاف في المسألة هو اختلاف وجهات النظر في فهم النص في الواقع، دون تعارضِ الأدلة، فمن حمَل ‘‘الملامسة’’ على معناه الحقيقي وهو المس، قال بانتقاض الوضوء بمس المرأة، ومن جعل ‘‘الملامسة’’ كناية عن الجماع، ذهب أن الآية لاعلاقة لها بالحدث الأصغر، وقال بعدم انتقاض الوضوء بمس المرأة. وأمثلة ذلك منشورة في مجموعة دروسه المنشورة لكل من جامع الترمذي وصحيح البخاري.

وكان اهتمامه في شرح الأحاديث بالدراية والمعنى أكثرمنه بالرواية والإسناد، وكان من دأبه أنه يرى رأيَه في المسائل العلمية، ويبديه بقوة في الدروس ومجالس العلم، ويعتَدُّ به اعتدادًا، وكان له آراء وأقوال  تفرَّد بها، وقد ظل بعض تلك الآراء والأقوال موضوعَ بحث ونقاش بين أهل العلم في حياته الطيبة، ورغم إجلالي للشيخ واحترامي له، ومع شغفي واهتمامي الزائدين بدروسه ومحاضراته وملازمته لحلقات دروسه أشدَ الملازمة - حيث لم أغب قط عن حلقات درسه لجامع الترمذي طوال العام الدراسي- ما وجدتُ في نفسي مناسبة كثيرة بآرائه التي انفرد بها بين أهل العلم.

وهناك كثيرمن الأحاديث والسنن يتعلق بالعمل والتطبيق أكثر منه بالنظرية، ففي شرح مثل هذه الأحاديث في كثيرمن الأحيان كان ينقل شواهد من العمل والتجربة، بدلَ أن يشرحها شرحًا علميًا، فكان أوقع في النفس، وأحثَّ على العمل، فعلى سبيل المثال تطرّق الحديث في بعض دروسه لجامع الترمذي إلى ‘‘الرقيا’’ فقال الشيخ: هناك كثيرمن الكلمات في الرقيا وردت في السنة، وإذا قُرِئت هذه الكلماتُ على المصاب ثقة بالله توكلًا عليه، عافى الله المصاب، ثم قال: جرّب بنفسك ياأخي! من صحةِ ما ورد به السنة وترتُّبِ الشفاء عليه، فقد جربتُه مرارًا وتكرارًا، فقد أصيب والدي بالصداع أكثر من مرة، ولم يكن كثيرَ الثقة بالرقيا، إلا أن الله سبحانه وتعالى عافاه كلما قرأتُ عليه الكلمات المأثورة ثقة بالله، حتى أصبح كثير الثقة به.

وقفز في ذاكرتي مثالٌ آخر للشرح العملي للسنة، وهو أن الشيخُ عندما بلغ في درسه لجامع الترمذي حديثَ العقيقة في أبواب الأضاحي الذي جاء فيه قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم :‘‘الغلام مُرتَهَنٌ بعقيقته...’’ و الحديث قد حسنه الترمذي وصححه، عند ما بلغ الشيخ هذا الحديث ذكر في شرح معناه أقوالَ العلماء، وقال: ‘‘الراجح عندي في معنى الحديث أن سلامةَ الولد من الأمراض والآفات ونشوؤه نشأة طيبة مرهونة بذبح العقيقة، فبذبح العقيقة يخرج الولد عن كونه عرضة للأمراض والآفات’’ ثم ذكر قصة له، فقال: ‘‘كان من عادتي في أولادي ذبحُ العقيقة في اليوم السابع كما ورد به السنة، فوُلِد لي ولدٌ – لعله قال: وهو الخامس من أبنائي- وكنت يومئذ أمرّ بضائقة مالية، فلم أستطع  ذبحَ العقيقة عن الولد، ولكن هذا الولد - خلاف ما عهدتُ في أولادي – ظل مُصابًا بمرض لايفارقه رغم جميع العلاج الممكن، حتى مللت، وهنا وقع في قلبي لعل سبب هذا الداء الملازم هوعدم ذبح العقيقة عنه، فاستقرضتُ من بعض أحبتي، وما إن ذبحتُ عنه حتى عوفي الطفل من المرض الذي ألح عليه أكثر من خمسة أشهر.’’

رحم الله شيخنا وجزاه الله عنا أفضلَ ما يجزي به عباده الصالحين، فقد جرت العادة في قريتي أن الناس كانوا يذبحون ذبيحة العقيقة في أيام عيد الأضحى، فلما رزقنى الله الأولاد ذبحتُ العقيقة عنهم في اليوم السابع من ميلادهم، وذلك لأجل ماقرأتُ من الحديث وما سمعتُ من قصة الشيخ، فاستحسنه الناس، وأصبحت العقيقة في اليوم السابع عادة مألوفة، فالحمد لله الذي وفقني لإحياء هذه السنة.       

وهذا كنموذج، وذكرتُ مما بقي عالقًا بذاكرتي من فوائده – رحمه الله – ومن أراد المزيد فليراجع مجموعة دروسه، فكان الشيخ إذا نقل مثل هذه الشواهد من التجربة ازداد الطلبه ثقة بمثل هذه السنة وتبادرًا إلى العمل به، فجزاه الله عنا وعن جميع تلاميذه خيرالجزاء.

ومن أهم ما امتازبه – رحمه الله- وعُرِف به قدرتُه الفائقة على تفهيم المواد وتسهيل المشكلات والمعضلات، فالمُعقَّدات عنده منحلة، والمشكلات عنده مستساغة، والمباحث الدقيقة العويصة عنده سهلة بسيطة. وقد وهبه الله تعالى ملكة فريدة لطرح المواد وعرض المسائل في صورة سهلة مفهومة لدى الجميع، وهذّب الشيخ  ملَكَته هذه باهتمامه البالغ بتحضير الدروس، وترتيب المواد قبل الإلقاء، وكان يقول: الأساتذة على ثلاثة أنواع:(1) نوع لايهتم بتحضير الدرس قبل إلقائه، وعند ما يدرس يعتمد على ما في الحواشي. (2) ونوع يقضي ليله في المطالعة و تحضير الدرس، ثم إذا جلس يدرس أفرغ على الطلبه كل ما قرأ في الليلة. (3) ونوع ثالث يحضّر الدرس، فيقرأ الكتب ذات الصلة بالموضوع ما أمكن، ثم جلس ينتقي مما قرأ مايحتاج إليه الطلبة، ويهذَّب ويرتب ثم يدرس، وهذا النوع أفضل أنواع الثلاثة. هذا، وشيخنا- رحمه الله-  كان بلا مراء نموذجًا مثاليًا لهذا النوع الأفضل والأمثل من الأنواع الثلاثة.

و بسبب هذا العرض الجميل، السهل المنبسط  كانت دروسه تشهد إقبالًا منقطعَ النظير من الطلبة، فكان يفهمها الأغبياء من طلبه العلم كما يستسيغه الأذكياء الفطناء، كل ينتفع ويستفيد ويستزيد حسب استعداده للعلم، وحسب قدرته وتغلُّبه على أسباب المعرفة.

ومن العادة المباركة عند الشيخ التي أفادنا كثيرًا أنه قبل البدء في دروس جامع الترمذي كان يسلط الضوء بشيء من التفصيل على حقيقة الوحي، ونوعيه من المتلو وغير المتلو، وعلى مراحل تدوين كل من القرآن والحديث، وعلى حجية السنة السنية، وما إليها من الأبحاث ذات الصلة بالموضوع، ولن أنسَ غاية إعجابي بهذه الأبحاث الشريفة التي وقعت أول مرة في سمعي في دروس الشيخ، وفتحت لنا بابًا للدراسة والمطالعة. هذا، واستنارةَ من هدي الشيخ – رحمه الله – عندما أسنِد إلى كاتب هذه السطور ترجمة وتفسير الثلث الأول من القرآن الكريم في الصف الخامس العربي في الجامعة القاسمية شاهي مراد، قمتُ بتسليط الضوء على الوحي: حقيقته وأنواعه، وعرضتُ على الطلبة أهم محطات أبحاث علوم القرآن بإيجاز، فكان سرورهم بها كثيرًا، مما جعلني أواظب على ذلك كل عام  قبل الأخذ في الدروس.                            

ومن مُمَيِّزاته أيضًا أنه كان يجري على نسق واحد في الشرح والتوضيح طول الحلقة طالت أم قصرت، وحتى لو استمرت ساعتين متتاليتين، فكان لايسأم ولايتعب، ولايتسرع لإنهاء الدرس، وهكذا أسلوبه في الدرس في أواسط العام الدراسي وأواخره كان كحاله في أوائله، يتناول كل حديث بالشرح والتوضيح بالايجاز غالبًا وبالإسهاب أحيانًا إذا دعت إليه الحاجة، مع أنه جرت العادة في المدارس الأسلامية عندنا ولاسيما في العام الأخير للفضيلة الخاص لدراسة أمهات كتب الحديث أن الشيخ أو الأستاذ يستفيض في البحث في المسائل العلمية في أول العام الدراسي حتى أواسطه، وعندما يضيق الوقت في نهاية السنة يسرد الروايات سردًا ويُنهي الكتاب، فكان الشيخ فردًا فريدًا في هذا الباب أيضًا.

وكان – رحمه الله – قويَ القلب، ثبتَ الجنان، واثقًا بالنفس، فكان يُلقي كلماته في أهم الاجتماعات بين  المشيخة والأساتذة في دارالعلوم، ويتحدث إلى الصفوة من العلماء والفقهاء والمفتين الكبار، والنخبة من المثقفين في الندوات الفقهية والموتمرات العلمية، فلا يأخذه الروع والدهشة، ويتكلم في لهجته المطمئنة التي تعوَّدها وأسلوبه الهادئ الرزين الذي ألِفَه، وكان يطرح آراءه في مجالس العلم بكل ثقة وقوة، و كان أكثر الناس ثباتًا عليها. 

وكان- رحمه الله - حريصًا على المطالعة، مكبًا على الكتب، دؤوبًا في الأعمال العلمية من البحث والدراسة، والكتابة والتأليف، شديد التحاشي عن إهدار الوقت في الشواغل غير العلمية وأمورلاتعنية، حتى لم تكن خانة في برنامجه اليومي للنزهة والمتعة، وزيارة الأحبة والزملاء في التدريس، اللهم إلا لعيادة المريض، وتعزية المفجوعين بوفاة أقاربهم، فكان يوظف كل أوقاته، ويستغلّ جميع فرصه، حتى بلغ من حرصه للمحافظة على الأوقات أنني رأيته أكثر من مرة ماضيًا في الطريق المزدحم بالمارة وعربات ركشا والدرجات، وفي يده رسالة أو كتاب صغير، رأيته يمشي في الطريق سريعًا مطمئنًا وينظر في الكتاب أيضًا، فقضيت من عجبي، حيث ماكان يمكنني ذلك في أمثال تلك الطرق المزدحمة الضيقة وأنا فتى يافع، وقد أمكنه وهوشيخ يجاوز الستين.

وكان قويَ الهمة، ماضيَ الإرادة، صادقَ العزيمة، فكان إذا أراد، جدّ ودأب حتى أنجز، وإذا عزم، توكّل على الله ومضى، لايترد، ولايتريث، ولايتكاسل، ولايتخلف. تشهد بذلك حياته، وأعماله العلمية، وكلُّ من شهده عن كثب. وقد أراد - رحمه الله-  حفظَ القرآن الكريم وهو طالب في قسم الفقه والإفتاء بدارالعلوم، ديوبند، فأكمله في بضعة أشهر دون إخلال بواجباته. هذا، وقد أراد- رحمه الله-  أن يقدِّم خدماته العلمية مجانًا لدارالعلوم، ويرد في التقسيط جميعَ الرواتب التي استلمها من دارالعلوم أو من بعض المدارس الأخرى التي عمل بها مُدرِّسًا، ولم يكن راتبَ عام أو عامين، وأنما هي رواتب سنين طوال، إلا أنه كان صادق العزيمة فلم يتخلف حتى أتم الله له ما أراد. وقد أوصى – رحمه الله - نحن الطلبه في درسه لجامع التزمذي بعد سرد قصته تلك فقال: ‘‘عليكم أن تعمَلوا مدرسين في المدارس لقاءَ راتب؛ ولكن يحسن بكم أن تَبنوا نياتكم أن كلًا منكم يُقدِّم خدماته للمدارس مجانًا إن جعل الله  له مصادر أخرى للدخل تكفل حاجته، وأنه يرُد ما استلم من الرواتب لقاء خدمته في سنين مضت إن بسط الله له في الرزق أكثر’’. ولكن ذلك ليس بيسير إلا من حالفه التوفيق الإلهي، ورُزق من صدقِ العزيمة مثلما ما رُزِق الشيخ رحمه الله.             

  وقد لقي – رحمه الله – ألوانًا العناء والمصاعب في سبيل العلم، فاحتملها وصبر، حتى وسّع الله عليه، فكان يحرِّض الطلبةَ على بذل الجهد والتضيحة للعلم و تحمُّل المشاق في سبيله، وكان يقول: إن الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين بوعد الله ورسوله، ويتلو قول الله عز وجل:‘‘ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ’’(سورة السجدة:24) 

ومن محاسنه – رحمه الله- أن حلقات الدرس كانت تتصدَّر في حساب أعماله وقائمة أولوياته، فكان لايرضى بالإخلال بها والغياب عنها في أيام الدراسة والتعليم، مهما تراكمت عليه الدواعي والدعوات للجولات والرحلات، وإلقاء المحاضرات في الندوات والمؤتمرات والاجتماعات، اللهم إلا إذا سُدت في وجهه طرقُ الاعتذار والرفض، ولم يكن يحدث ذلك إلا نادرًا، مع أن الشيخ هو من هو في منزلته، وعلمه، ومعرفته، وسمعته الطيبة. وهذا أيضًا ياتي دليلًا على غاية أمانته و نصحه للعلم وطلبته.

إن الرجل المصروفَ الهم إلى المطالعة والدراسة، والمنقطع إلى التأليف والكتابة قد يغفل عن أداء حقوق الأهل والأولاد، فلايُعطيهم حقَّهم من العطف والعناية والتربية، ويضعف عن إحسانِ جوار المجاورين؛ ولكن الشيخ رغم شواغله الشاغلة أولى هذا الجانب كبير الاهتمام، فاعتنى بتربية أولاده اعتناء بالغًا حتى وضع لبعض منهم رسالة مستقلة في بعض الفنون عند شعر بالحاجة إليها. وكان – رحمه الله – يُحسن جوارَ من جاوره، وما رأيت هذه الجوانب من حياة الشيخ عن كثب، إلا أنني أسوق إلى القارئ بعضًا من قصصه التي سمعتها من الشيخ – رحمه الله – خلال الدرس، فقد جرى الكلام في بعض دروسه عن الحديث الذي ورد فيه مع ماورد: ‘‘ إذا طبختَ مرقةً فأكثرماءَها، وتعَاهَد جيرانَك’’ فذكر الشيخ قصة له، وقال: احتاج أهلي إلى إناء كبير لإعداد المخللات ( وفي الأردية تُسمّى: اچار )، ولم يكن موجودًا، فاستعاروه من بعض الجيران، فلما أردوا رد الإناء إلى صاحبه، قلت لهم: اجعلوا فيه المخللات ، ولا تردوه فارغًا، فكان من نتيجة ذلك أن ذلك الجار كان ينتظر الفصل الذي يُصنَع فيه المخللات، ويتبادر إلى إعارة الإناء قبل الطلب.      

وقد ذكر ببعض المناسبات قصة أخرى ذات الصلة بالموضوع، فقال : كان يجري بناءُ منزلي، فجاء بعض الجيران، وقال: حضرةَ الشيخ! لوجعلتَ في جدارك بجانب منزلي محرابًا صغيرًا حتى أضع فيه المصباح ليلًا!! فطلبتُ أحدَ البنّائين وقلت له أن يفعل ذلك، ثم قدمتُ دارالعلوم لإلقاء الدرس، فلما عدتُ رأيت الجدار قد ارتفع، والمحراب غير موجود، فسألت البنّاءَ عن السبب، فقال: حضرةَ الشيخ! أنت لاتفهم هذه الأمورحق الفهم، لوجعلتُ له محرابًا في جدارك، حَقَّ له أن يدّعي في يوم من الأيام الشركةَ في الجدار، فالمحراب يضر مصلحتك، فقلت له: شكرًا على نصحك يا أخي؛ ولكن اجعَلْ المحرابَ له كما قلتُ، ودعوتُ بعض أبنائي وقلت لهم، إن ادّعى هذا الجار في يوم من الأيام الشركةَ في الجدار بسبب هذا المحراب، فأوصيكم أن تُعطوه النصف منه. وهذا نموذج مثالي للإحسان إلى الجارلايتيسر إلا لمن وُهِب نبلًا وكرمًا وسماحة. 

وكنت طالبًا في التخصص العالي للفقه والإفتاء عندما أسنِد إلى الشيخ تدريس الجزء الأول من صحيح البخاري، وقد قرأت من الشيخ جامع الترمذي وشرح معاني الآثار للطحاوي في العام النهائي للفضيلة، فعندنا تفضّل الشيخ لألقاء أول درسه لصحيح البخاري حضَرتُه، فقال الشيخ في فاتحة الدرس: ‘‘هناك ثلاثة أموريُعْتَنى بها في درس صحيح البخاري، الأول: تراجم الأبواب، إن الإمام البخاري من المحدثين المجتهدين، ومن دأبه أنه يضع نتائج اجتهاده وأراءه الفقهية والعلمية في التراجم، ومن هنا قيل: ‘‘فقه البخاري في تراجمه’’ فمن يَدرُس صحيحَ البخاري عليه أن يعتني بالتراجم حتى يعلم اجتهاد البخاري وآراءه. والثاني : معرفة الربط والعلاقة بين التراجم وبين الأحاديث الواردة تحتها، فإنّ من دأب البخاري في صحيحه أنه يورد الأحاديث تحت التراجم بأدني مناسبة وعلاقة بعيدة دون أن يشيرإليها، وهذا أمرمهم، وقد أتعبَ العلماءُ أنفسَهم في معرفة العلاقة والرابطة بين التراجم وماتحتها من الأحاديث، ووضعوا لها أصولًا وضوابط. أما الأمرالثالث فيُوسفني جدًا أني نسيتُه، فهذه الأمور من خصائص درس صحيح البخاري، حسب ما ذكره الشيخ.’’

وقد كتب - رحمه الله - وألّف كما درّس في حلقته وأفاد، ومن أهم مؤلفاته العلمية شرحه الأردي البسيط المسمي بـ ‘‘ رحمة الله الواسعة’’ في شرح ‘‘حجة الله البالغة’’ للعالم الهندي الفريد، والمصلح المجدد الموهوب المحدث ولي الله الدهلوي، وهداية القرآن في مجلدات في تفسير القرآن الكريم، ومجموعات دروسه لصحيح البخاري وجامع الترمذي، وله مؤلفات ورسائل أخرى.    

و كان الشيخ عالمًا عاملًا، أبيًّا غيورًا، راضيًا بماقسم الله له محتسبًأ، زاهدًا في السمعة، بعيدًا عن التكلف، وبعيدًا عن الطمع في المال، منقطعًا إلى العلم عن الناس، شديدَ التحرس من أمورغير مَعْنِية، متحليًا بأخلاق العلماء الربانيين، متخليًا عن كل ما يزريهم ويحط من شأنهم. رحمه الله رحمة واسعة، فقد عاش سعيدًا ومات حميدًا.

فهذه لمحات عَجلى من سيرته، وشخصيته، وخلقه، وعلمه، ومعرفته، ومنهجه، وذوقه، مما لمستُ فيه عن كثب، وشهدته عيناي، وسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وحفظته ذاكرتي، وماأردت في  هذه السطور إلاذلك، أما ترجمته الشخصية وتعريفُ مراحلِ وملامح حياته وتعريف أعماله وإنجازاته بالتفصيل فيحتاج إلى مقال بسيط، أورسالة مستقلة ، وهو أوسع من أن يحويه مقال كهذا.

تقبل الله حسناته وخدماته وأعماله العلمية، وعفا عن سيئاته، وتجاوزعن زلاته، وأدخله فسيح جناته، وجزاه عنا وعن جميع تلاميذه أفضلَ ما يجزي به عباده الصالحين، أخلَفَ لدارَالعلوم بديلًا خيرًا منه. اللهم لاتحرمنا أجره، ولاتفتنا بعده، واغفرلنا وله، واجمعنا معه في جنات النعيم يارب العالمين، آمين!  

محمد أجمل القاسمي
أستاذ الأدب العربي بالجامعة القاسمية شاهي , مرادآباد.
تحريرًا يوم الخميس: 12 شول المكرم 1441ه المصادف: 4 يونيو2020م

Comments